مجموعة مؤلفين

42

جمع المقال في إثبات كرامات الأولياء في الحياة وبعد الانتقال

وضعها ، فلما وضعتها ، قالت كما في قوله تعالى : قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى [ آل عمران : 36 ] ، ثم لفتها في خرقة ووضعتها بين الأحبار من بني هارون ، وهم يومئذ سدنة بيت المقدس وحجبته ، فقالت لهم : دونكم وهذه النذرة ، فتنافسوا فيها أيهم يكفلها - لأنها كانت بنت إمامهم - فقال زكريا : أنا أحق بها لأني زوج خالتها ، فقالوا : حتى نقترع عليها - وكانوا سبعة وعشرين نفرا - فانطلقوا إلى نهر ماء فألقوا فيه أقلامهم على أزمنة ، ومن يرتفع قلمه ويحمله الماء فهو كافلها ، فارتفع قلم زكريا فوق الماء موافقا له ، ورسبت أقلامهم وهي جارية مع الماء ، فكفلها زكريا ، فاسترضع لها على أحوط الأقوال ، وقيل : إنها لم ترضع ثديا قط - وهو أسد الأقوال - إلى أن نبتت ، فأنبتها اللّه نباتا حسنا ، فابتنى لها زكريا عليه السلام محرابا ، وهي غرفة يصعد لها بسلم على أحد الأقوال . وقيل : جعلها في أشرف موضع من بيت المقدس ، وهو أشهر الأقوال ، وكانت لا يدخل عليها أحد غيره ، وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب ، وكان رزقها ينزل عليها من الجنة ، فكان كلما دخل عليها زكريا وجد عندها رزقا ، فيجد فاكهة الشتاء صيفا ، وفاكهة الصيف شتاء ، فيقول : أنّى لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا ؟ فتقول : هو من عند اللّه ، فلا يستبعد ذلك ولا ينكره ، ويتعجب لما فيه من خرق العادة ؛ إذ هو من قدرة الخالق لا من قدرة المخلوق ، وقد كانت تكلمه في المهد على أسد الأقوال ، فلما تحقق عنده من فضلها وكرامتها على ربها حنّت نفسه إلى ولد فدعا ربه ، فقال : رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً [ مريم : 4 ] ، وكان عمره حينئذ تسعا وتسعين سنة ، وعمر زوجه إيشاع ثمان وتسعون سنة كما ذكره المفسرون ، وكانت عاقرا لا يولد لها كما كانت أختها حنة ، فأجاب اللّه تعالى دعائه ورزقه يحيى عليه السلام ، فهذا هو المفهوم من ظاهر هذه الآية ، وقول علماء السنة ملخصا على وجه الطاقة والغاية وجهد الاستطاعة في تحرير النقل وتصحيح الرواية ، وهو أكبر دليل على إثبات وقوع خرق العادة على وجه الكرامة ، والإجماع منعقد على أن ذلك لم يكن معجزة في حقها ؛ لعدم نبوتها ، وإنما كانت كرامة في حقها ، واللّه أعلم .